فخر الدين الرازي
175
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
كذلك ، وإنما ينتفع به في أمور غير ضرورية مثل الزينة وغيرها ، والقسم الأول أشرف من الثاني ، وهذا القسم هو الأنعام ، فلهذا السبب بدأ اللّه بذكره في هذه الآية ، فقال : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ . واعلم أن الأنعام عبارة عن الأزواج الثمانية وهي : الضأن ، والمعز . والإبل . والبقر ، وقد يقال أيضا : الأنعام ثلاثة : الإبل . والبقر . والغنم . قال صاحب « الكشاف » : وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل . وقوله : وَالْأَنْعامَ منصوبة وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله تعالى : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [ يس : 39 ] ويجوز أن يعطف على الإنسان . أي خلق الإنسان والأنعام ، قال الواحدي : تم الكلام عند قوله : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها ثم ابتدأ وقال : لَكُمْ فِيها دِفْءٌ ويجوز أيضا أن يكون تمام الكلام عند قوله : لَكُمْ ثم ابتدأ وقال : فِيها دِفْءٌ قال صاحب « النظم » : أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله : خَلَقَها والدليل عليه أنه عطف عليه قوله : وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ والتقدير لكم فيها دفء ولكم فيها جمال . المسألة الثانية : أنه تعالى لما ذكر أنه خلق الأنعام للمكلفين أتبعه بتعديد تلك المنافع ، واعلم أن منافع النعم منها ضرورية ، ومنها غير ضرورية ، واللّه تعالى بدأ بذكر المنافع الضرورية . فالمنفعة الأولى : قوله : لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وقد ذكر هذه المعنى في آية أخرى فقال : وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها [ النحل : 80 ] والدفء عند أهل اللغة ما يستدفأ به من الأكسية ، قال الأصمعي : ويكون الدفء السخونة . يقال : أقعد في دفء هذا الحائط ، أي في كنه . وقرئ : دف بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الفاء . والمنفعة الثانية : قوله : وَمَنافِعُ قالوا : المراد نسلها ودرها ، وإنما عبر اللّه تعالى عن نسلها ودرها بلفظ المنفعة وهو اللفظ الدال على الوصف الأعم ، لأن النسل والدر قد ينتفع به في الأكل وقد ينتفع به في البيع بالنقود ، وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات فعبر عن جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل . والمنفعة الثالثة : قوله : وَمِنْها تَأْكُلُونَ . فإن قيل : قوله : وَمِنْها تَأْكُلُونَ يفيد الحصر وليس الأمر كذلك ، فإنه قد يؤكل من غيرها ، وأيضا منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللبس ، فلم أخر منفعته في الذكر ؟ قلنا : الجواب عن الأول : إن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم ، وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط وصيد البر والبحر ، فيشبه غير المعتاد . وكالجاري مجرى التفكه ، ويحتمل أيضا أن غالب أطعمتكم منها لأنكم تحرثون بالبقر والحب والثمار التي تأكلونها منها ، وأيضا تكتسبون بإكراء الإبل وتنتفعون بألبانها ونتاجها وجلودها ، وتشترون بها جميع أطعمتكم . والجواب عن السؤال الثاني : أن الملبوس أكثر بقاء من المطعوم ، فلهذا قدمه عليه في الذكر . واعلم أن هذه المنافع الثلاثة هي المنافع الضرورية الحاصلة من الأنعام . وأما المنافع الحاصلة من الأنعام التي هي ليست بضرورية فأمور : المنفعة الأولى : قوله تعالى : وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ الإراحة رد الإبل بالعشي